محمد بن جرير الطبري
308
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
( وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) [ سورة الأنعام : 110 ] ، يعني نذرُهم ونتركهم فيه ، ونملي لهم ليزدادوا إثمًا إلى إثمهم . ولا وجه لقول من قال : ذلك بمعنى " يَمُدُّ لهم " ، لأنه لا تدافُع بين العرب وأهل المعرفة بلغتها ( 1 ) أن يستجيزوا قول القائل : " مدَّ النهرَ نهرٌ آخر " ، بمعنى : اتصل به فصار زائدًا ماءُ المتَّصَل به بماء المتَّصِل - من غير تأوُّل منهم . ذلك أن معناه : مدّ النهرَ نهرٌ آخر . فكذلك ذلك في قول الله : ( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ) * * * القول في تأويل قوله : { فِي طُغْيَانِهِمْ } قال أبو جعفر : و " الطُّغيان " " الفُعْلان " ، من قولك : " طَغَى فلان يطغَى طُغيانًا " . إذا تجاوز في الأمر حده فبغى . ومنه قوله الله : ( كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى ) [ سورة العلق : 6 ، 7 ] ، أي يتجاوز حدّه . ومنه قول أمية بن أبي الصَّلْت : وَدَعَا اللهَ دَعْوَةً لاتَ هَنَّا . . . بَعْدَ طُغْيَانِه ، فَظَلَّ مُشِيرَا ( 2 ) وإنما عنى الله جل ثناؤه بقوله ( وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ ) ،
--> ( 1 ) في المخطوطة : " لأنه لا تتدافع العرب " ، وهما سواء في المعنى . ( 2 ) ديوانه : 34 مع اختلاف في الرواية . والضمير في قوله " ودعا الله " إلى فرعون حين أدركه الغرق . والهاء في قوله " طغيانه " إلى فرعون ، أو إلى الماء لما طغا وأطبق عليه . وقوله " لات هنا " ، كلمة تدور في كلامهم يريدون بها : " ليس هذا حين ذلك " ، والتاء في قولهم " لات " صلة وصلت بها " لا " ، أصلها " لا هنا " أي ليس هنا ما أردت ، أي مضى حين ذلك . و " هنا " مفتوحة الهاء مشددة النون ، مثل " هنا " مضمومة الهاء مخففة النون . وقوله : " مشيرًا " ، أي مشيرًا بيده في دعاء ربه أن ينجيه من الغرق .